في سجلات كرة القدم العالمية، تتلألأ أسماء لاعبين صنعوا التاريخ، لكن قلة منهم تحمل لقب الريادة والسبق. من بين هؤلاء، يبرز اسم النجم المصري عبدالرحمن فوزي، الذي لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان رمزًا لجيل كامل من الرياضيين العرب والأفارقة. فقد سجل عبدالرحمن فوزي أول هداف عربي في المونديال، محققًا إنجازًا خالدًا ما زال يُروى حتى اليوم، ومُخلدًا اسم مصر والعرب في أعرق البطولات الكروية.
رحلة الفراعنة التاريخية إلى إيطاليا 1934
لم يكن الطريق إلى كأس العالم مفروشًا بالورود للمنتخب المصري عام 1934. في تلك النسخة الاستثنائية، قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) تطبيق نظام التصفيات لأول مرة في تاريخ البطولة، بمشاركة 32 دولة تتنافس على 16 مقعدًا. مُنح قارتي آسيا وأفريقيا مقعدًا واحدًا فقط، تنافس عليه المنتخب المصري ونظيره الفلسطيني بعد انسحاب تركيا.
تمكن الفراعنة من تجاوز هذه العقبة بنجاح باهر؛ فبعد فوزهم الساحق في مباراة الذهاب بالقاهرة بنتيجة 7-1، عادوا ليؤكدوا تفوقهم في مباراة الإياب بالقدس بفوز 4-1، ليحجزوا بذلك مقعدهم كأول منتخب عربي وإفريقي يشارك في كأس العالم. انطلقت رحلة المنتخب المصري على متن الباخرة “حلوان”، في رحلة استغرقت أربعة أيام للوصول إلى مدينة نابولي الإيطالية، حيث كان ينتظرهم التحدي الأول في المونديال ضد المنتخب المجري.
المباراة التي غيرت التاريخ: مصر والمجر
في السابع والعشرين من مايو عام 1934، دخل المنتخب المصري ملعب جيورجي أسكاريلي وهو يحمل آمال أمة بأكملها. كان الفراعنة يطمحون لتحقيق فوز ثانٍ على المجر، بعد أن سبق لهم الفوز عليها بثلاثية نظيفة في أولمبياد باريس عام 1924. لكن مجريات المباراة جاءت مغايرة، فتقدم المنتخب المجري بهدفين مبكرين عن طريق بال تيليكي عند الدقيقة 11 وجيزا تولدي في الدقيقة 31.
هنا تجلى دور الأبطال؛ ففي غضون أربع دقائق فقط، وتحديدًا عند الدقيقتين 35 و39، أشعل عبدالرحمن فوزي المباراة بتسجيله هدفين متتاليين، مقلصًا الفارق ومُعيدًا الأمل للفراعنة. هذه الأهداف لم تكن مجرد أرقام، بل كانت لحظات تاريخية أعلنت ميلاد أول هداف عربي في المونديال. ومع بداية الشوط الثاني، سجل نجم الأهلي مختار التتش هدفًا ثالثًا لمصر، كان من شأنه أن يكمل “الريمونتادا” ويعكس مسار اللقاء، لولا قرار الحكم الإيطالي رينالدو بارلاسينا بإلغائه بداعي التسلل. هذا القرار أعاد الثقة للمجريين الذين سجلوا هدفين إضافيين، لتنتهي المباراة بخسارة مصرية 4-2 وخروج مشرف من الدور الأول، لكن مع تسجيل إنجاز خالد في صفحات التاريخ.
عبدالرحمن فوزي أول هداف عربي في المونديال: إرث لاعب ومدرب
وُلد عبدالرحمن فوزي في بورسعيد عام 1909، وبدأ مسيرته الكروية مع النادي المصري البورسعيدي بين عامي 1928 و1934، محققًا معه كأس السلطان حسين مرتين ودوري منطقة القناة ثلاث مرات. انتقل بعدها إلى صفوف نادي الزمالك عام 1934، حيث لعب حتى اعتزاله عام 1947، وفاز بخمسة ألقاب لكأس مصر ومثلها في دوري منطقة القاهرة، بالإضافة إلى كأس الملك مرة واحدة. لم يقتصر إسهامه على التهديف في المونديال؛ فقد سجل فوزي أيضًا هدفًا في مرمى فلسطين خلال مباراة الإياب بتصفيات كأس العالم في القدس، مؤكدًا حضوره الهجومي القوي.
- مسيرة تدريبية رائدة: لم تكن عبقرية فوزي مقتصرة على الملاعب كلاعب. فقد تولى تدريب نادي الزمالك وهو لا يزال لاعبًا بين عامي 1946 و1956، وهي أطول فترة لأي مدير فني في تاريخ النادي، وحقق معه سبعة ألقاب (كأس مصر مرتين ودوري منطقة القاهرة خمس مرات).
- مدرب المنتخب السعودي: امتد تأثيره خارج الحدود المصرية، حيث درب المنتخب السعودي بين عامي 1957 و1962، ليضع بصمته على كرة القدم السعودية الوليدة. كما تولى الإدارة الفنية لأندية غزل المحلة والسكة الحديد.
توفي عبدالرحمن فوزي في 16 أكتوبر 1988 عن عمر يناهز 80 عامًا، مخلفًا وراءه إرثًا كرويًا لا يُنسى. قصته هي قصة شغف، موهبة، وريادة، جعلت منه بحق أسطورة كرة القدم المصرية والعربية. ففي كل مرة يُذكر فيها تاريخ العرب في كأس العالم، يتردد اسم عبدالرحمن فوزي كأول من خطّ هذا التاريخ ببراعة قدميه.
للاستمتاع بجمال كرة القدم ومتابعة الإرث الذي خلفه أساطير مثل عبدالرحمن فوزي، يمكنك زيارة korabesttv – مشاهدة مباريات اليوم بث مباشر مجاناً بجودة عالية.