اسفل الهيدر

من حلم المونديال المتلاشي إلى ملاعب القرى: هل تجدد آمال كرة القدم الصينية عبر ملاعب الهواة؟

اسفل الهيدر
rss ai image 1780524936 6a20a788e421b

لطالما راود الصين حلمٌ كرويٌ كبير، ألا وهو التأهل إلى نهائيات كأس العالم واستضافتها وحتى الفوز بها يوماً ما. ومع ذلك، وبشكلٍ متكرر، اصطدم هذا الطموح بجدار الواقع، لتجد الأمة الآسيوية نفسها مجدداً في مقعد المتفرج خلال البطولات العالمية. فبعد الفشل في التأهل للمرة الثانية عشرة على التوالي، تتزايد التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء تعثر هذا المشروع الوطني الطموح. لكن في خضم هذا المشهد القاتم، يبرز بصيص أمل غير متوقع من قلب المجتمعات المحلية، حيث تجدد آمال كرة القدم الصينية عبر ملاعب الهواة، في تحول قد يحدد مسار اللعبة الجميلة في البلاد.

الحلم الكبير: طموحات الدولة ومشروعها المجهض

منذ سنوات، سعت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتحقيق إنجاز كروي يتماشى مع قوتها الاقتصادية. كان الرئيس شي جينبينغ قد أعلن عن “الأمنيات الثلاث” لكرة القدم: التأهل، الاستضافة، والفوز بكأس العالم. وفي عام 2016، كشف الاتحاد الصيني لكرة القدم عن خطة طموحة للهيمنة العالمية بحلول منتصف القرن، تضمنت بناء 70 ألف ملعب كرة قدم والوصول إلى 30 مليون طفل يمارسون اللعبة بحلول عام 2020. غير أن النتائج على أرض الواقع كانت مخيبة للآمال، حيث تراجع ترتيب المنتخب الوطني للرجال من المركز 82 عالمياً في عام 2016 إلى 94 من أصل 211 منتخباً. ولم تتجاوز مشاركة الصين الوحيدة في كأس العالم عام 2002، والتي انتهت بخروجها من دور المجموعات دون تسجيل أي هدف.

جذور الإخفاق: عندما تتداخل السياسة والمال مع الرياضة

لم يكن فشل المشروع الكروي الصيني مجرد مسألة أداء رياضي بحت، بل ارتبط بعوامل أعمق تتجاوز حدود الملعب. يمكن تلخيص هذه العوامل في عدة نقاط رئيسية:

  • الإنفاق المفرط وغير المستدام: شهد الدوري الصيني الممتاز موجة إنفاق هائلة على النجوم الأجانب بين عامي 2015 و2017، بلغت 1.12 مليار دولار في سوق الانتقالات. كان هذا الإنفاق مدفوعاً بشكل كبير بشركات التطوير العقاري التي امتلكت معظم الأندية. يقول الدكتور توبياس روس، الخبير في كرة القدم الصينية، إن هذا لم يكن يتعلق بالرياضة بقدر ما كان يتعلق بـ “بناء علاقات أقوى مع الحكومات المحلية” ضمن ثقافة “غوانشي“، وهي شبكات غير رسمية لتبادل الخدمات والولاءات. هذا النموذج أدى إلى إنشاء أندية تخسر مئات الملايين من الدولارات سنوياً دون تطوير مصادر دخل حقيقية.
  • الفساد المستشري: كشفت تحقيقات الفساد عن الوجه المظلم للنظام، حيث انتشرت الرشاوى والتلاعب بنتائج المباريات. من الأمثلة الصادمة، اعتراف لاعب إيفرتون السابق لي تيه بدفعه أموالاً للتلاعب بنتائج مباريات وتعيينه مدرباً للمنتخب الوطني عبر الرشوة. وقد أضاف الاتحاد الصيني لكرة القدم الشهر الماضي 17 شخصاً إلى قائمة الحظر مدى الحياة بسبب التلاعب والمراهنات.
  • تراجع الأولوية السياسية: مع تباطؤ الاقتصاد وتزايد التنافس الجيوسياسي، تراجعت أولوية كرة القدم في الأجندة الحكومية. لم تعد اللعبة جزءاً من الخطط الخمسية، ولم يعد الرئيس يتحدث عنها علناً، مما أدى إلى جفاف التمويل وانهيار أكثر من 40 نادياً منذ عام 2021.
  • العوائق الاجتماعية والثقافية: يرى رووان سيمونز، المقيم في الصين منذ عقود، أن المشكلة أعمق من التمويل، فالأندية الصينية كانت “منظمة حكومياً بالكامل” وليست مبنية على القاعدة الشعبية والمتطوعين كما هو الحال في بريطانيا. كما أن الضغط الدراسي الهائل يدفع الأطفال للتخلي عن الرياضة في سن مبكرة، إضافة إلى أن الثقافة الاجتماعية قد لا تشجع على الإبداع الفردي الذي يميز نجوم كرة القدم العالميين.

بصيص أمل من القواعد الشعبية: تجدد آمال كرة القدم الصينية عبر ملاعب الهواة

على الرغم من الصورة القاتمة، بدأت تظهر مؤخراً بوادر أمل حقيقية، لا من قمم الهرم الكروي، بل من قواعده الشعبية. ففي مقاطعة جيانغسو، تحوّلت بطولة هواة محلية تُعرف باسم “سوتشاو” إلى ظاهرة وطنية. هذه البطولة، التي يشارك فيها معلّمون وسائقو توصيل وطلاب وموظفون عاديون، جذبت جماهير غفيرة وملأت المدرجات، ووصل عدد مشاهديها عبر البث المباشر إلى أكثر من 2.2 مليار مشاهدة. ليس هذا فحسب، بل ولّدت البطولة إنفاقاً اقتصادياً تجاوز 2.2 مليار دولار في قطاعات السفر والضيافة والشركات المحلية.

إن هذه البطولات الشعبية ليست مجرد تجمعات رياضية، بل هي رمز لتحول ثقافي. يقول أحد المشجعين إن ابنه البالغ 14 عاماً أصبح أكثر حماساً للعب كرة القدم بعد متابعة هذه المباريات. كما أطلق اللاعب الصيني الدولي السابق صن جيهاي، الذي لعب لمانشستر سيتي، مبادرة لاكتشاف المواهب، شارك فيها أكثر من 10 آلاف طفل، وتركز على الدمج بين التعليم والرياضة، بمساعدة المعلمين لضمان التفوق الأكاديمي والرياضي معاً. وهذا يعكس وعياً متزايداً لدى الأهالي بأن الرياضة يمكن أن تكون جزءاً لا يتجزأ من التربية المتكاملة، وليست عائقاً أمام التعليم.

إن استمرار نمو بطولات الهواة وزيادة عدد الملاعب الشعبية يشير إلى أن كرة القدم في الصين بدأت تتخلى عن اعتمادها الكامل على الطموح الحكومي والإنفاق المفرط، وتتجه نحو بناء قاعدة شعبية أوسع وأكثر استدامة. وبينما يُلعب كأس العالم بعيداً عن الصين، ومع كل مباراة هواة تشهدها الملاعب المحلية، يظل السؤال مطروحاً: هل هذا مجرد وميض عابر، أم أنه حقاً بداية تحول حقيقي وجذري في مستقبل كرة القدم الصينية؟ للإطلاع على آخر أخبار الكرة المحلية والعالمية ومتابعة المباريات، يمكنك زيارة موقع korabesttv – مشاهدة مباريات اليوم بث مباشر مجاناً بجودة عالية.

اسفل الهيدر
شارك المقال شارك غرد إرسال